الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

547

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ثم قال : فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى ، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى . انتهى . قال في فتح الباري : ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء ، وتورث شماتة الأعداء ، وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا ، فليس ذكر الوجع شكاية . فكم من ساكت وهو ساخط ، وكم من شاك وهو راض ، فالمعوّل في ذلك على عمل القلب اتفاقا لا على نطق اللسان . وقد تبين - كما نبه عليه في « اللطائف » - أن أول مرضه - صلى اللّه عليه وسلم - كان صداع الرأس ، والظاهر أنه كان مع حمى ، فإن الحمى اشتدت به في مرضه ، فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، يتبرد بذلك . وفي البخاري قالت عائشة : لما دخل بيتي واشتد وجعه قال : « أهريقوا علىّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، لعلى أعهد إلى الناس » ، فأجلسناه في مخضب لحفصة - زوج النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب ، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن « 1 » . الحديث . وقد قيل في الحكمة في هذا العدد : أن له خاصية في دفع ضرر السم والسحر ، وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « هذا أوان انقطاع أبهرى » « 2 » ، أي من ذلك السم . وتمسك بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب به ، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعا إنما هو لدفع السمية التي في ريقه . وكانت عليه - صلى اللّه عليه وسلم - قطيفة ، فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 198 ) في الوضوء ، باب : الغسل والوضوء في المخضب . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( تعليقا ) في المغازي ، باب : مرض النبيّ ووفاته ، من حديث عائشة ، وأبو داود ( 4512 ) في الديات ، باب : فيمن سقى رجلا سمّا أو أطعمه فمات أيضا منه . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .